سياحة ذى القرنين







قال الله عز وجل : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا " (83)

 إلى قوله تعالى " قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا 

جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا " (98) سورة الكهف.


والقصة تتمحور حول ثلاث حالات واضحة 

تعامل معها ذو القرنين باعتبار

 أن الله عز وجل مكن له فى الأرض ، وآتاه من كل شئ سببا


 ولكل حالة معطياتها الكثيرة.

 غير أنى سأكتفى فقط بالإشارة إلى بعض المعطيات السياسية والاقتصادية .


الحالة الأولى: ( الجانب السياسي ، والقانوني ).
 
بلوغه مغرب الشمس ، وملاقاته لقوم يحتاجون إلى نظام وقانون .

وتأسيس النظام ، مع وضع القانون العادل من أهم الأسس ، لنهضة الدول ، ورقي 

المجتمعات.

وغياب هذا الأمر يجلب الفوضى العارمة

 حيث السيادة لقانون الغاب ، الذي مضمونه الواضح هو :

 ( السيادة لحق القوة ، وليس لقوة الحق ).


والظاهر من خلال حال هؤلاء القوم 

 أنهم كانوا في أشد حالات الاحتياج إلى قانون:

1-    ينظم حياتهم .

2-    وسلطان ينفذ القانون .

فوضع لهم ذو القرنين - وبوضوح تام -  منهج الثواب والعقاب على حسب:

 صفة العمل الذى يقومون به.

1-    أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87)

2-    وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88).


الحالة الثانية : ( الجانب العقدي ).

بلوغه مطلع الشمس وملاقاته لقوم لم يجعل الله لهم من دونها سترا .

والظاهر من حالهم أنهم تعلقوا بذي القرنين تعلقا شديدا

 فظنوا أنه باستطاعته أن يجعل لهم من دون الشمس سترا.

لذلك وردت الأفعال جميعها - في هذه الحالة - مضافة إلى الله عز وجل

 ولم يذكر في السياق القرآني- في هذه الحالة

أي قول أو فعل منسوبا لذي القرنين .   



وكأن جميع قدراته ، والأسباب التي معه قد تعطلت.

تأمل الفعل المنفي ، " لم نجعل لهم من دونها سترا ".

وتأمل الفعل المثبت ، " وقد أحطنا بما لديه خبرا ".

فالرسالة واضحة في أن الجانب الذي يحتاجه هؤلاء القوم ، هو الجانب العقدي.

ومضمون الرسالة:  ألا يتعلق الناس بحاكم أو أمير أو قائد

 - مهما بلغ شأنه وقدره وإمكانياته-

 إلى الدرجة  التي لا تجوز إلا لله سبحانه وتعالى .



فذو القرنين قد استمد قدراته من عطاء الله ، وإذا شاء الله سلبها.

 وقد تفرد الله عز وجل بطلاقة القدرة على كل شيء

 وطلاقة العلم والإحاطة بكل شيء.


وبالتالي لم يستطع ذو القرنين أن يستر الشمس عنهم.

وتأمل أخي القارئ أول جملة نطق بها ذو القرنين

 بعد هذا الدرس العقدي العظيم : ( قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ...)


الحالة الثالثة: ( الجانب العلمي ، والاقتصادي ، والأمني ).

 بلوغه بين السدين وملاقاته لقوم اجتمعت فيهم صفات:

1-     التخلف العلمي ، والاقتصادي ، من الداخل.

 ( ...لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ) (93)

2-     والعدوان عليهم من الخارج .

(.... إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ...) (94)

 فقام بمعالجة هذا الأمر على محورين:

1-    الاستفادة بكل الطاقات ، والموارد المادية ، والجسدية عندهم

 لللقيام بعمل يعود بالنفع عليهم.

 ( قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ) (95)

2-    تعليمهم كيفية الاستفادة من الطاقات ، والموارد

 عن طريق العلم ، والأسباب التى مكنه الله فيها.

( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ

 قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) (96)

وفي الختام أقول :

إذا تمسكت أمة من الأممٍ بعقيدة صحيحة في الله -عز وجل – .

وإذا التزمت بنظام سياسي ، وقانوني ، واجتماعي

يحقق العدل الذي يرضى عنه الله تبارك وتعالى.

وإذا تملكت العلوم ، والمعارف

 وسيطرت على إدارة مواردها ، واقتصادها  ، بحكمة ، وأمانة .

فإن النتيجة : تحقق الأمن لها ، وتحقق الخذلان لأعدائها.

وتأمل قوله –سبحانه- في نهاية قصة ذي القرنين :

( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) (97)

أخوكم
د/ محمد سعد قاسم

محمول: 01002810365

إيميل : adel_saad85@yahoo.com

0 التعليقات:

إرسال تعليق